عبد الرحمن بدوي
235
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
ولا علمه بحقيقة ، لأن بمعرفته هذا السرّ يجب أن يصحّ عنده كون مراده ؛ وإذا غنى عنه هذا السرّ فخصمه يدحضه ويفلجه في بطلان ما يدّعيه . فلو أن قائلا قال : قد قبلت قولك في كل ما تدعيه من الكلام في أولية الأشياء وواحدية ذاتها في الأصل وتغايرها بعد ذلك من أجل التركيب فما حجّتك بعد في قلبه الفضة ذهبا والنحاس فضّة وغير ذلك من الأجساد السخيفة عند أهل العلم إلى هذين الجسدين الكريمين عندهم - فكيف لا يقلب الذهب والفضة إلى الأجساد السخيفة ؟ وهل الذهب والفضة إلّا من الطبائع المركبة ، فكيف شاكلهما القريب من البسيط ؟ - لكان قد ألزمه الحجة وأبطل عليه الرأي إن لم يدفعه عن نفسه ورأيه بما قد أنبأنا به الفيلسوف في هذا القول . وسأتولى جواب هذا الخصم ، إذ فيه الكشف عن قول الفيلسوف وهو أنى أقول : إنّا لم ندّع « 1 » في العمل مشاكلة بينه وبين الذهب والفضة ولا مضادّة ، إذ الشئ إنما هو شكل البسيط ؛ وإنما عمله قلب الأشياء عن ماهيتها . فلو ألقيته على الفضة أو على الذهب أو سائر الأجساد ، ما كان يحيل الجسد إلى جسد غيره ، بل كان يميّله إلى طبعه . بلى ! إذا ألقى الجسد الملقى عليه الإكسير على جسد آخر قلبه إلى جنسه . والمثال لذلك أن يلقى بعض العمل على الفضة فلا يغيّره عن ماهيته دون أن تحدث فيه قوة فتقوى على قلب الشئ ، إذ ليس هو - أعنى به العمل - بينه وبين سائر الأجساد من المشاكلة ما ليس له مع الآخر . فإذا ألقيت هذه الفضّة المعمولة على سائر الأجساد اقلبها فضة إذ قد صارت إكسيرا ثانيا « 2 » مشاكلا لجوهرية الفضة . وكذلك إن ألقيته - أعنى العمل على النحاس - صار هذا النحاس قالبا لسائر الأجساد إلى جوهرية النحاس . ولذلك قال الفيلسوف وأمر أن يكون ما يشغل به العمل عن الذهاب الشئ الذي دبّر منه العمل ، فإنه لقرب عهد العمل بمثل تركيبه وشكله يحيله بكليته حتى يقيمه كهيئته . فأما أن يكون ما يشغله به عن الذهاب ما لا يجانسه فإنه لا يقوى على كل الاستحالة والقلب فيه ، فيصير ذلك الشئ إكسيرا لنفسه : إن كان نحاسا كان الشئ الذي يقلب الذهب والفضة وسائر الأجساد نحاسا ؛ وإن كان فضة كان
--> ( 1 ) ص : تدعى . ( 2 ) ثاني .